الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
118
نفحات القرآن
وجملة « إنّ ذلك على اللَّه يسير » تشير إلى أنّكل شيء سهل ويسير على اللَّه تعالى ، ومن الممكن أن تكون دليلًا للذين فسّروا « أهون » بمعنى « هيّن » في الآية السابقة . على أيّة حال فإنّ جميع منكري المعاد يرون بأعينهم كيف تنبت النباتات في الأرض الميتة ؟ ، وكيف يضع البشر أقدامهم في عالم الوجود ؟ وكيف تورق وتثمر الأشجار من جذع يابس ؟ وكيف تتكرر عملية الخلق والايجاد في هذا العالم في كل آن ؟ فهل تكون هذه الإعادة لجميع الموجودات أمراً عسيراً على خالقها ؟ مع أنّ الإيجاد والإعادة كلاهما واحد بالنسبة لشمول قدرته ، ووجود الشئ أفضل دليلٍ على إمكانه ؟ وقد بيّن سبحانه في الآية الخامسة الأخيرة لُبّ المطلب من خلال تعبير وجيز ومختصر جدّاً ، حيث قال تعالى : « كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » . ( الأعراف / 29 ) إنّ هذه العبارة في الحقيقة أقصر تعبير وأوضح استدلال للقرآن الكريم في مجال إمكان المعاد ، فإنّه قاس إمكان الحياة الثانية على إمكان الحياة الأولى ، وهذا قياس منطقي لقضية عقلية ، أمّا أولئك الذين يعتبرون مثل هذه الآيات دليلًا على جواز القياس في الأحكام التعبدية فإنّهم قد وقعوا في خطأ فاحش ، لأنّ القياس لا يجوز إعماله إلّاإذا كان دليل الحكم الأول وعلته وحكمته واضحاً مبيناً ، ويجب أن تكون هذه العلة موجودة في الحكم الثاني أيضاً ، كما هو الحال في الآية المذكورة ، في بحث المعاد وغيرها من الأمور ، لأننا نعلم بأنّ المؤثر في الخلق الأول هو القدرة الإلهيّة ، وهذا الأمر بنفسه يكون مؤثراً في الخلق المستأنف ، أمّا بالنسبة للقياس فيالأحكام الفرعية التي لم تتضح عللها ولم يُصّرح عنها في ذلك الدليل فإنّه لا قيمة له ، وذلك لأنّه قياس ظنّي وتخميني لا يقيني وعقلي . على أيّة حال فإنّ التفسير المذكور أعلاه واضح جدّاً إذا ما استعنّا بالآيات الأخرى التي وردت في هذا المجال ، ولكن العجيب تفسير بعض المفسرين من أنّ المراد من هذه الآية هو : كما بدأكم أول الأمر وخلق منكم السعداء والأشقياء والكفار والمؤمنين فإنّه سوف يعيدكم في الآخرة على تلك الحال « 1 » .
--> ( 1 ) ذكر الفخر الرازي هذا التفسير واعتبره أحد الاحتمالين في تفسيير هذه الآية ( تفسير الكبير ، ج 14 ، ص 58 ) .